ابن أبي الحديد
45
شرح نهج البلاغة
الشرح : الشواهد ها هنا ، يريد بها الحواس ، وسماها ( شواهد ) اما لحضورها ; شهد فلان كذا أي حضره ، أو لأنها تشهد على ما تدركه وتثبته عند العقل ، كما يشهد الشاهد بالشئ ويثبته عند الحاكم . والمشاهد ها هنا المجالس والنوادي ، يقال حضرت مشهد بنى فلان ، أي ناديهم ومجتمعهم . ثم فسر اللفظة الأولى وأبان عن مراده بها بقوله ( ولا تراه النواظر ) ، وفسر اللفظة الثانية وأبان عن مرادها ، فقال ( ولا تحجبه السواتر ) . ثم قال ( الدال على قدمه بحدوث خلقه ، وبحدوث خلقه على وجوده ) ; هذا مشكل ، لان لقائل أن يقول إذا دل على قدمه بحدوث خلقه ، فقد دخل في جملة المدلول كونه موجودا ، لان القديم هو الموجود ولم يزل ، فأي حاجة إلى أن يعود فيقول وبحدوث خلقه على وجوده . ولمجيب أن يجيب على طريقة شيوخنا أصحاب أبي هاشم ، فيقول لا يلزم من الاستدلال بحدوث الأجسام على أنه لا بد من محدث قديم كونه موجودا ; لان عندهم إن الذات المعدومة قد تتصف بصفات ذاتية ، وهي معدومة ، فلا يلزم من كون صانع العالم عندهم عالما قادرا حيا أن يكون موجودا ، بل لا بد من دلالة زائدة ، على أن له صفة الوجود وهي والدلالة التي يذكرونها ، من إن كونه قادرا عالما تقتضي تعلقه بالمقدور والمعلوم ، وكل ذات متعلقة ، فان عدمها يخرجها عن التعلق كالإرادة ، فلو كان تعالى معدوما لم يجز أن يكون متعلقا ، فحدوث الأجسام إذا قد دل على أمرين من وجهين مختلفين أحدهما انه لا بد من صانع له ، وهذا هو المعنى بقدمه .